السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
كلمة حول الرؤية 28
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
قال : الحجّة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى : « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا » - قال : - وهذا التجلّي هو الرؤية « 1 » . ثمّ أخذ يستدلّ على أنّ هذا التجلّي للجبل هو رؤية الجبل للّه ، ومن شاء أن يعجب من هذا الإمام ، فليراجع كلامه هذا حول الآية من سورة الأعراف ، إلى أن قال : فثبت أنّ قوله تعالى : « تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا » هو أنّ الجبل لمّا رأى اللّه تعالى اندكّت أجزاؤه ، قال : ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنّه تعالى جائز الرؤية . أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئا ، إلّا أنّا نقول : لا يمتنع أن يقال : إنّه تعالى خلق في ذلك الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثمّ خلق فيه رؤية متعلّقة بذات اللّه تعالى ، والدليل على ذلك أنّه تعالى قال : « يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ » « 2 » وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه ، فكذا هاهنا ، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنّه تعالى جائز الرؤية « 3 » . انتهى بلفظه . قلت : أسفّ الرجل بفلسفته هذه كلّ إسفاف ، واعتسف فيها أيّ اعتساف ، فإنّ النواميس التي فطر اللّه عليها الجبال ، وسائر أنواع الجمادات ، تأبى بفطرتها أن يكون فيها شيء من الحياة والعقل والفهم والرؤية . وأمّا قوله تعالى : « يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ » فإنّ معنى أمر الجبال هنا بالتأويب مع داود ، وامتثالها هذا الأمر أنّه تعالى شاء تأويبها ، فلم تمتنع عليه ، وأوّبت مع داود عليه السلام كما أراد اللّه تعالى فكانت في ذلك كالمأمور المطيع ، إذا ورد عليه أمر آمره المطاع على حدّ قوله تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 4 » فإنّه لا قول هنا من اللّه - عزّ وجلّ - ولا منهما ، وإنّما شاء اللّه تكوّنهما
--> ( 1 ) - . التفسير الكبير 7 الجزء 241 : 14 - 242 ، ذيل الآية . ( 2 ) - . سبأ 10 : 34 . ( 3 ) - . المصدر . ( 4 ) - . فصلّت 11 : 41 .